عدنان زرزور

18

مدخل إلى تفسير القرآن وعلومه

تمثل منها عند العرب في جزيرتهم ، فطرة واستعدادا ما لم تملك مثله أمة من الأمم ، أو شعب من الشعوب ، أو قبيلة من القبائل . أقول : فطرة واستعدادا ، تمييزا لهذه الأهلية من حيث الفطرة والاستعداد ، عن واقع العرب وسلوكهم وممارساتهم في الجاهلية . فالعرب أصلح شعوب الأرض قاطبة لنزول القرآن فيهم وبلغتهم ، وللنهوض بحمل أعباء رسالة الإسلام الإنسانية ؛ فطرة واستعدادا ، ومواهب وملكات ، لا واقعا وسلوكا وممارسات . . . في لحظة تاريخية غلبت عليها الحروب والمنازعات ، أو سرت إليها بعض الأخطاء والنقائص في الاقتصاد والاجتماع وسائر شؤون الحياة . . . ومن هنا جاء قول النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « تجدون الناس معادن ، فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا ، وتجدون من خير الناس في هذا الأمر أكرههم له قبل أن يقع فيه » - رواه الإمام مسلم - وهذا أيضا ما دلّ عليه دعاء النبيّ صلى اللّه عليه وسلم - في الحديث الذي أخرجه الترمذي والإمام أحمد - « اللهم أعزّ الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك : بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب » فإن الدعاء لأحدهما على هذا النحو يدل على إمكانية ترقي كل منهما ، بناء على موهبته واستعداده ، في المعارج التي ارتقى إليها عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - يوم أسلم ، والمكانة التي تبوأها في التاريخ الإسلامي والإنساني ، في حين تورات مواهب عمرو بن هشام - أبي جهل - التي لم تكن بأقل من مواهب ابن الخطاب ، وراء رمال الجزيرة ، قتلتها العداوة ، ودفنها الصلف والجحود ! وإن شئت قلت : ضاعت تلك المواهب ، أو تلك الفطرة وذلك الاستعداد . . . حين لم تتصل بالإسلام ، أو حين كفر صاحبها بمحمد والقرآن ! وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللّه ، في سياق حديثه عن الخصائص العقلية والبيانية ، وسائر الخصائص الأخرى التي فضّل بها العرب . . . إلى نحو هذا التفريق الذي قدمناه ، فقال : « وسبب هذا الفضل - واللّه أعلم - ما اختصوا به في عقولهم وألسنتهم